عباس الإسماعيلي اليزدي

301

ينابيع الحكمة

مترتّب على ما هو الداعيّ للثورة والجهاد . فهم قد غفلوا أنّ الذي يستفاد من هذه الأخبار هو : أنّ البكاء على السبط الشهيد عليه السّلام من أهمّ العبادات والقربات ، وهو أقرب السبل إلى معرفة الحقّ عزّ وعلا . فما قالوه متحصّل أيضا ولكنّه ليس هو المقصود بالأصالة ، كما زعموا . البكاء المطلوب عمل القلب ، والقلب مكان الحبّ ، والدمع ينبعث عن القلب ، وكلّما كثر البكاء ازدادت المحبّة ، وهل الدين إلّا الحبّ ؟ ! إنّ الجهاد ضدّ أعداء الدين وإن كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لا يجدي نفعا إلّا إذا كان منبعثا عن الحبّ والإخلاص ، كما قال عليه السّلام : « المرء مع من أحبّ » . لقد سئل حبيب بن مظاهر - الذي ضحى بنفسه في سبيل الحسين عليه السّلام - في المنام في قصّة طويلة : « أتحبّ أن ترجع إلى الدنيا ؟ قال : نعم أحبّ أن أرجع حتّى أبكي على سيدي الحسين عليه السّلام » . « 1 » إنّ البكاء على المظلوم شفاء لقلب المظلوم وسهم في قلب الظالم الغاشم . البكاء يؤدّي إلى تضاعف حبّ أهل البيت عليهم السّلام وبغض أعدائهم - عليهم لعائن اللّه - لأنّه ليس من المعقول أن يبكي شخص على من لا يحبّه ، أو يبكي على من يحبّه ولا يتنفّر عن عدوّه . وكلّما تعمّقت المحبّة تعمّقت الطاعة ، كما أشار إليه صادق آل محمّد عليهم السّلام : « إنّ المحبّ لمن أحبّ مطيع » . ومن الطبيعيّ أنّ من يبكي الإمام الحسين عليه السّلام يصطبغ بصبغته ، وتلك صبغة ربّانيّة ، كما قال اللّه عزّ من قائل : وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً . فمن بكى عليه سيكون من سنخه ويقترب منه شيئا فشيئا ، حتّى ينسلك في سلكه ويستقرّ في زمرته .

--> ( 1 ) - ذكرها المحدّث النمازي بتفصيلها في كتاب « زندگانى حبيب بن مظاهر اسدى » ص 56